عبد الرحمن السهيلي
78
الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )
ثلاث وستين ، وقيل : سنة ست وستين ، وصلى عليها ابن عباس ، ويزيد بن الأصم ، وكلاهما ابن أخت لها ، ويقال : فيها نزلت : « وامرأةً مُؤمنة إنْ وهَبَتْ نفسَها للنبيِّ » الأحزاب في أحد الأقوال ، وذلك أن الخاطب جاءها ، وهي على بعيرها ، فقالت : البعير وما عليه لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، واختلف الناس في تزويجه إياها أكان محرماً أم حلالاً ، فروى ابن عباس أن تزوجها محرماً ، واحتج به أهل العراق في تجويز نكاح المحرم ، وخالفهم أهل الحجاز ، واحتجوا بنهيه عليه السلام عن أن ينكح المحرم أو ينكح ، وزاد بعضهم فيه : أو يخطب من رواية مالك ، وعارضوا حديث ابن عباس بحديث يزيد بن الأصم أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة وهو حلال وخرج الدارقطني والترمذي أيضاً من طريق أبي رافع أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة ، وهو حلال . وروى الدارقطني من طريق ضعيف عن أبي هريرة أنه تزوجها وهو محرم كرواية ابن عباس . وفي مسند البزار من حديث مسروق وعائشة رضي الله عنها ، قالت : تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محرم ، واحتجم ، وهو محرم ، وإن لم تذكر في هذا الحديث ميمونة ، فنكاحها أرادت ، وهو حديث غريب ، وخرج البخاري حديث ابن عباس ، ولم يعلله هو ، ولا غيره ، وروي عن سعيد بن المسيب أنه قال : غلط ابن عباس أو قال وهم ، ما تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم إلا وهو حلال ، ولما أجمعوا عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوجها محرماً ، ولم ينقل عنه أحد من المحدثين غير ذلك استغربت استغراباً شديداً ما رواه الدارقطني في السنن من طريق أبي الأسود يتيم عروة ، ومن طريق مطر الوراق عن عكرمة عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة ، وهو حلال ، فهذه الرواية عنه موافقة لرواية غيره ، فقف عليها ، فإنها غريبة عن ابن عباس ، وقد كان من شيوخنا رحمهم الله من يتأول قول ابن عباس : تزوجها محرماً ، أي : في الشهر الحرام ، وفي البلد الحرام ، وذلك أن ابن عباس رجل عربي فصيح ، فتكلم بكلام العرب ، ولم يرد الإحرام بالحج ، وقد قال الشاعر : قتلوا ابن عفّان الخليفة محرماً * ودعا فلم أر مثله مخذولا وذلك أن قتله كان في أيام التشريق ، والله أعلم أأراد ذلك ابن عباس ، أو لا . غزوة مؤتة وهي مهموزة الواو ، وهي قرية من أرض البلقاء من الشام ، وأما الموتة بلا همز ، فضرب من الجنون ، وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في صلاته : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه . وفسره راوي الحديث ، فقال : نفثه : الشعر ، ونفخه : الكبر ، وهمزه : الموتة . تفسير وإن منكم إلاّ واردها : ذكر في هذه الغزوة قول عبد الله بن رواحة حين ذكر قول الله تعالى : « وإنْ منكم إلاَّ وَارِدُها » مريم فلست أدري كيف لي بالصدر بعد الورود ، وقد تكلم العلماء فيها بأقوال ، منها أن الخطاب متوجه إلى الكفار على الخصوص ، واحتج قائلوا هذه المقالة بقراءة ابن عباس : وإن منهم إلا واردها ، وقالت طائفة : الورود ههنا هو الإشراف عليها ومعاينتها ، وحكوا عن العرب : وردت الماء ، فلم أشرب . وقالت طائفة : الورود ههنا هو المرور على الصراط ، لأنه على متن جهنم أعاذنا الله منها ، وروي أن الله تبارك وتعالى يجمع الأولين والآخرين فيها ، ثم ينادي مناد : خذي أصحابك ودعي أصحابي ، وقالت طائفة : الورود أن يأخذ العبد بخط منها ، وقد يكون ذلك في الدنيا بالحميات ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال الحمى كير من جهنم ، وهو حظ كل مؤمن من النار . شرح شعر ابن رواحة وذكر شعر عبد الله بن رواحة وفيه : * تقرّ من الحشيش لها العكوم *